
بوعرفة – إعداد مونية حداوي / تصوير أمين.ب
في أجواء تسودها روح الاعتراف والعرفان، احتضن السجن المحلي بمدينة بوعرفة، اليوم، حفلاً رسمياً بمناسبة الذكرى السابعة عشرة لتأسيس المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، بحضور عدد من الأطر الإدارية، والسلطات المحلية، ومسؤولين قضائيين وأمنيين، إلى جانب ممثلين عن المجتمع المدني.
حدث سنوي لترسيخ ثقافة التقييم والتطوير
يُعد الاحتفال بهذه المناسبة محطة سنوية لاستعراض أبرز التحولات التي عرفها القطاع السجني بالمغرب، وتقييم الحصيلة المرحلية، فضلاً عن فتح نقاش مؤسساتي حول الإكراهات والرهانات التي تواجه ورش إصلاح السجون، وخاصة ما يتعلق بتكريس المقاربة الحقوقية والكرامة الإنسانية داخل الفضاء السجني.
في كلمة افتتاحية خلال هذا الحفل، أكد مدير السجن المحلي بوعرفة، السيد المختار الأعور، أن تخليد ذكرى تأسيس المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج هو مناسبة للتوقف عند ما تم تحقيقه على مدار 17 سنة من الإصلاحات المتواصلة، التي شملت مختلف الجوانب المتعلقة بتدبير الفضاءات السجنية، وتحسين ظروف الاعتقال، وتكريس دور المؤسسة السجنية كمجال لإعادة التأهيل، وليس فقط للعقاب.

تحسين ظروف الاعتقال: من البنية التحتية إلى البعد الإنساني
استعرض السيد الأعور جملة من التحسينات التي عرفتها البنية التحتية لمؤسسات السجن، من توسعة بعض الوحدات، وتحسين التهوية والإنارة، إلى تعزيز النظافة وتوفير خدمات التغذية والصحة وفق معايير جديدة تستجيب لتوصيات اللجنة الأوروبية لمناهضة التعذيب ومقتضيات القانون الدولي الإنساني.
وشدد على أن العنصر البشري ظل محورا أساسيا في هذه الاستراتيجية، حيث جرى العمل على تطوير تكوين الموظفين، وتحفيزهم ماديا ومعنويا، بما في ذلك إقرار النظام الأساسي الجديد لموظفي المندوبية، ومنح جوائز التميز لموظفين أبانوا عن انضباط وكفاءة في أداء مهامهم.
القوانين الجديدة: مسار تشريعي في خدمة الإصلاح
وأشار مدير المؤسسة إلى أهمية القوانين الجديدة التي تم إقرارها في إطار التحديث التشريعي للقطاع، خاصة القانون رقم 10.23 المتعلق بتنظيم المؤسسات السجنية، الذي جاء ليحل محل النص القديم الصادر سنة 1999، حيث تضمن مقتضيات حديثة حول حقوق السجناء، وسبل التأهيل، وحوكمة المؤسسات السجنية.
كما سلط الضوء على القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة، والذي من المرتقب أن يدخل حيز التنفيذ في غشت المقبل. وينتظر أن يُحدث هذا القانون تحولا نوعيا في تدبير العقوبة الجنائية، عبر التخفيف من ظاهرة الاكتظاظ داخل السجون، وتعويض العقوبات السالبة للحرية بعقوبات بديلة كالأشغال ذات المنفعة العامة أو الغرامات أو المراقبة القضائية الإلكترونية.
الرقمنة في خدمة نزلاء المؤسسات السجنية
من أبرز مظاهر التحديث الإداري التي أشار إليها مدير السجن المحلي بوعرفة، تطوير المنظومة الرقمية، من خلال إطلاق خدمات إلكترونية تهم تدبير شؤون النزلاء والزوار، وفي مقدمتها منصة الحجز المسبق للزيارات العائلية، التي سهلت على الأسر عملية التواصل مع ذويهم، وقللت من مظاهر الازدحام أمام أبواب السجون.
كما تم تطوير آليات التراسل الرقمي بين المصالح المركزية والجهوية، واعتماد برامج معلوماتية لتتبع تنفيذ برامج الإدماج، والتمدرس، والتكوين المهني، إلى جانب رقمنة أرشيفات النزلاء بطريقة تتيح استغلال المعطيات لأغراض التقييم والتخطيط.
الإدماج وإعادة التأهيل: رهان مركزي في قلب الإصلاح
وشكل جانب إعادة الإدماج والتأهيل محوراً رئيسياً في الحفل، حيث تم استعراض مختلف البرامج التي توفرها المؤسسة للنزلاء، من قبيل التكوين المهني في مجالات متنوعة كالميكانيك، والخياطة، والنجارة، والحلاقة، إلى جانب تشجيع التعليم ومحو الأمية، وبرامج الدعم النفسي والتكوين الديني، التي تندرج في إطار خطة وطنية لمحاربة التطرف والانحراف.
وفي السياق ذاته، أشاد السيد الأعور بدور الفاعلين الجمعويين في دعم جهود التأهيل داخل السجن، عبر أنشطة موازية في المسرح، والرياضة، والتوجيه الأسري، مما يعزز فرص النزيل للعودة إلى المجتمع بطريقة سليمة بعد انقضاء مدة العقوبة.
شهادات حية: صدى الجهود داخل المؤسسة
وقد تخللت فقرات الحفل شهادات مؤثرة لنزلاء سابقين استطاعوا الاندماج في الحياة الاجتماعية والمهنية بعد استفادتهم من برامج التأهيل، حيث أكدوا أن الدعم النفسي والتأطير الذي تلقوه داخل السجن كان له بالغ الأثر في تغيير نظرتهم للحياة، وتحقيق توازن جديد بعد مرحلة السجن.
كما تم عرض شريط وثائقي يوثق لمختلف المشاريع التي تم إنجازها في السنوات الأخيرة على مستوى المؤسسة السجنية ببوعرفة، معززا بصور وشهادات توثق لحياة النزلاء اليومية داخل فضاء أصبح يشهد تطورا تدريجيا نحو الاحترافية.
جوائز التميز: عرفان بالجهود المهنية
وفي ختام هذا الحدث، تم توزيع شواهد تقديرية وجوائز تميز على عدد من الموظفين بالمؤسسة، اعترافا بمجهوداتهم المتميزة، وتفانيهم في أداء واجبهم، وحرصهم على خدمة النزلاء وفق المعايير القانونية والإنسانية. وقد عبر الموظفون المحتفى بهم عن اعتزازهم بهذا التقدير، الذي يرونه حافزاً إضافياً لمزيد من العطاء.
المجتمع المدني شريك استراتيجي في الإصلاح
وفي تصريح خاص لهامش الاحتفال، قال ممثل إحدى الجمعيات الشريكة في برامج التأهيل: “نعتبر أن الإصلاح الحقيقي للسجون يبدأ من داخلها، ولكن لا يكتمل إلا بإعادة إدماج السجين في النسيج الاجتماعي، وهذا ما يتطلب انخراطاً جماعياً من الأسر، والمجتمع، والقطاعين العام والخاص، ومؤسسات التكوين”.
نظرة استشرافية: نحو سجون إنسانية وآمنة
يعكس الاحتفال بالذكرى 17 لتأسيس المندوبية العامة لإدارة السجون حجم التحولات الجارية داخل هذا القطاع، التي تتجاوز البعد الإداري إلى الرهان المجتمعي على تحويل السجن من فضاء للعقوبة إلى فضاء للإصلاح وإعادة التأهيل. ويبدو أن السنوات المقبلة ستشهد دينامية جديدة على ضوء دخول القوانين الجديدة حيز التنفيذ، وتوسع برامج الرقمنة، وتعزيز الشراكات المؤسساتية.
ختاماً، فإن مدينة بوعرفة، من خلال هذا الاحتفال النموذجي، وجهت رسالة قوية مفادها أن السجون ليست فقط أماكن للردع، بل ورش حيوي يعكس إرادة الدولة في صيانة الحقوق، وضمان الأمن، وإعطاء فرصة ثانية لكل من تعثر في مسار الحياة.





إرسال تعليق