إعداد فريق غرفة التحرير
في إطار الدينامية المتواصلة التي يعرفها المشهد الكروي المغربي، وانسجامًا مع الرؤية الرامية إلى جعل الرياضة رافعة استراتيجية للتنمية الشاملة، احتضنت مدينة وجدة، يوم الخميس 24 أبريل 2025، مناظرة جهوية حول التشجيع الرياضي، جمعت عمال أقاليم جهة الشرق، رئيس مجلس جهة الشرق، نخبة من ممثلي الهيئات القضائية، النواب البرلمانيين، رؤساء المصالح الأمنية، رؤساء المجالس المنتخبة، رؤساء المصالح اللاممركزة، رؤساء الفرق الرياضية، رؤساء الجمعيات الرياضية، الكاتب العام للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، إضافة إلى خبراء وأطر أكاديمية في مجالات متعددة، فضلًا عن مكونات المجتمع المدني.
وقد شكّل هذا اللقاء محطة مهمة للتفكير الجماعي في سبل إرساء ثقافة تشجيع رياضي حضاري ومسؤول، يتسم بالتوازن بين الحماس والانضباط، ويؤسس لعلاقات مؤطرة بين الجماهير وباقي الفاعلين الرياضيين، سعيًا نحو بلورة ميثاق جهوي يُعزز التشجيع كممارسة مدنية تنبني على قيم الاحترام، والانتماء، ونبذ العنف.

في الجلسة الافتتاحية، شدد والي جهة الشرق، السيد خطيب الهبيل، على التحول الذي تعرفه الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى رافعة استراتيجية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، مما يستدعي ترسيخ ممارسات راقية داخل الفضاءات الرياضية. وأبرز عددًا من المشاريع الرائدة على صعيد الجهة، من ضمنها تأهيل المركب الشرفي بوجدة وفق المعايير الدولية، وبناء مجمعات رياضية كبرى ومدينة للرياضات، إلى جانب إنجازات نوعية بجميع أقاليم الجهة، مثل ملاعب الغولف والمنتزهات الإيكولوجية. كما تم الإعلان عن مشاريع توسعة وهيكلة جديدة تعكس إرادة جهوية واضحة للنهوض بالبنية الرياضية واستثمارها في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتوفير فرص الشغل لفائدة الشباب.
توزعت أشغال المناظرة على ورشتين رئيسيتين: الأولى خُصصت لدور الجماهير في ترسيخ الريادة الكروية المغربية، والثانية تناولت إشكاليات أمن المباريات والتشجيع الرياضي في إطار رؤية تشاركية. وتميّزت النقاشات بعمقها وتعدد زواياها، حيث طُرحت قضايا مثل تفشي الشغب، مظاهر التعصب، وضعف الوعي الجماهيري في بعض الملاعب.
وقد تم تقديم نموذج الجماهير المغربية كأحد أشكال التشجيع المنظم، عند تأهل المنتخب الوطني إلى نصف نهائي كأس العالم 2022، من خلال الالتزام بالقيم السلمية والروح الرياضية، والتمثيل الأنجع للثقافة الراقية للمجتمع المغربي.
وكان الإعلام بدوره محور نقاش موسع، باعتباره فاعلًا أساسيًا في تشكيل الرأي العام، حيث دُعي إلى تعزيز المسؤولية الإعلامية من خلال إبراز النماذج الإيجابية وتفادي التهويل، مع التأكيد على دور الإعلام الرقمي في توجيه النقاشات وتعزيز السلوك المدني. كما ناقش المشاركون القانون رقم 09-09 المتعلق بمحاربة العنف في التظاهرات الرياضية، وطرحت تساؤلات حول فعاليته وسبل تفعيله بشكل عادل، لا سيما فيما يخص فئة القاصرين.
كما أبرز المتدخلون العلاقة الوثيقة بين الرياضة والسياحة، مؤكدين أن المشهد الرياضي يمكن أن يشكل واجهة تسويقية للمنتوج المحلي والموروث الثقافي، وجذبًا للاستثمار، وتعزيزًا لصورة المغرب في الخارج، من خلال تشجيع حضاري يُعبّر عن روح الانتماء والمسؤولية.
وقد خرج اللقاء بعدد من التوصيات الأساسية، أبرزها:
- تعزيز ثقافة التشجيع الإيجابي: إعداد “ميثاق للتشجيع الرياضي” يُحدد حقوق وواجبات المشجعين، ويشركهم ويبيّن واجباتهم، بهدف استثمار الوجه المشرق والجانب الإشعاعي للتشجيع الرياضي، مع التركيز على الجانب الإيجابي لخصوصية النموذج المغربي الذي يعكس مرجعية المغاربة، هويتهم وثقافتهم المميزة.
- إطلاق برامج توعوية موجهة للجمهور: إدراج برامج حول التشجيع الرياضي الإيجابي والروح الرياضية بالمناهج الدراسية، مع دعوة وسائل الإعلام السمعية والبصرية إلى استثمار دورها في تسليط الضوء على أهمية التشجيع الإيجابي، واستغلال وسائل التواصل الاجتماعي في نشر محتويات تحسيسية تُبرز أهمية احترام القوانين داخل الملاعب وتعزز صور التشجيع الإيجابي الحضاري.
- تعزيز دور الإعلام والتواصل: إنشاء منصة رقمية مؤسساتية تُستثمر كجسر للتواصل والتفاعل والإشراك والمواكبة لجميع المتدخلين المعنيين بالتشجيع، وتسريع التحول الرقمي في الإعلام، مع الحرص على التواصل الدائم مع الجماهير، وفق تصور حديث يعتمد على مؤسسات إعلامية مرقمنة وقوية ماديًا، وتنظيم حملات إعلامية هادفة للترويج لثقافة التشجيع الإيجابي، وترسيخ الصورة الحضارية للمغرب، باعتماد إشراك اللاعبين والمؤثرين في إعداد وإنتاج محتويات رقمية مختصرة (فيديوهات، إنفوجراف…) على منصات التواصل الاجتماعي لتعزيز الوعي القانوني والتنظيمي.
- استثمار الزخم الجماهيري كرافعة للسياحة الرياضية: من خلال انخراط جاد في الدينامية التنموية عبر شعار “المغرب أرض كرة القدم” و”كرة القدم المغربية هي رؤيتنا”، لجعل المملكة المغربية وجهة سياحية رياضية بامتياز، وإعداد خريطة طريق خاصة بالسياحة الرياضية على المستويين الوطني والجهوي.
- خلق بيئة أكثر جاذبية داخل الملاعب: من خلال إيلاء اهتمام خاص بمرافق الجماهير، وإنشاء مناطق ترفيهية وتجارية داخل الملاعب تشمل متاحف، متاجر لمنتجات الأندية، وأماكن مخصصة للأسر، لضمان تجربة مشاهدة ممتعة للمباريات ورواج اقتصادي.
- تحفيز الجماهير على الانخراط في التنظيم: إشراك مجموعات المشجعين في تنظيم المباريات، تحت إشراف السلطات المحلية، لتمكينهم من فهم التحديات الأمنية والتنظيمية، مع اعتماد تواصل فعّال يعزز الثقة والاحترام المتبادل، وتقنين عمل مجموعات التشجيع على شكل جمعيات يمكن مخاطبتها وإشراكها والتعامل معها بصيغة قانونية ورسمية.
- تعزيز التنسيق الأمني والتنظيمي: رفع مستوى التنسيق بين السلطات الأمنية والمحلية والأندية، لضمان تنظيم أمثل للمواعيد الرياضية، وفق مقاربة وقائية تضع المصلحة الجماعية كأولوية. دعم المقاربة الوقائية للأمن عبر عقد لقاءات تواصلية مباشرة مع الجماهير، لشرح طبيعة المهام الأمنية والتحديات المرتبطة بها، والتشريعات الزجرية الخاصة بالجرائم والأفعال المنافية للقانون المرتكبة بمناسبة الأحداث الرياضية، والتنصيص التشريعي الصريح على تنظيم ولوج القاصرين للملاعب.
- تطوير استخدام التكنولوجيا داخل الملاعب: من خلال استخدام أنظمة وبرامج خاصة تُحسن أداء المتدخلين في التنظيم.
ومن ثم، تشكّل هذه المناظرة مناسبة لإطلاق حوار جهوي مفتوح يرمي إلى تجاوز الصور النمطية حول التشجيع الرياضي، وبناء مرحلة جديدة قائمة على القيم، والشراكة، والمواطنة الفاعلة.
إرسال تعليق