بقلم : محمد غفغوف
في زمن تسارعت فيه خطى النسيان، وباتت الحِرَف تُختزل في صور سياحية أو معروضات فولكلورية، يظهر اسم الحاج محمد مستبشر كاستثناء يبعث فينا شيئًا من الاطمئنان، ويذكّرنا أن الأصالة ليست شعارًا، بل مسار حياة، ومقاومة صامتة.
من فاس، المدينة التي علّمت المغرب فنّ العيش على إيقاع الروح، خرج هذا الصانع التقليدي يحمل في يده مطرقة، وفي قلبه شغفًا، وفي ذهنه مشروعًا عظيمًا: أن يربط بين الجمال والهوية، وأن يمنح للنحاس صوتًا، وذاكرة، لم تكن بدايته سهلة، فقد كانت الصنعة، كما الحياة، تتطلب الجلد والصدق والصبر، لكن محمد منذ طفولته، اختار طريقه كما يختار الفنان لحنه الخاص، بعيدًا عن الضجيج، مخلصًا لذاته.
في سن مبكرة، التحق بمدرسة الحياة في ورشات الصفارين، وهناك، وسط وهج النار وصلابة المعدن، تعلم أن الجمال لا يُنحت من فراغ، بل من العرق، والتفاصيل، والحب. لم يرضَ بأن يكون مجرد “حرفي”، بل أراد أن يكون “مُبدعًا” حقيقيًا. لذا، لم يكتفِ بصنع الصحون والمصابيح، بل مضى يصنع المجسمات والمعالم، يُترجم بها هوية المغرب من النحاس إلى الخلود.
حين ترى خريطة المغرب التي أنجزها وأهديت للملك الراحل الحسن الثاني، أو مجسمات صومعة حسان وضريح محمد الخامس، تدرك أن الرجل لا يُقلد الواقع، بل يُعيد تشكيله على طريقته، بخط اليد وروح الفنان، فهو لا “ينسخ” التاريخ، بل “ينقشه” كما يليق بمبدع حقيقي عاشق لتفاصيل وطنه.
محمد مستبشر ليس مجرد “حرفي تقليدي من فاس”، بل هو أحد أولئك الذين يملكون بصيرة حضارية، ويرون في الحرفة رسالة، لا وظيفة. هو حلقة نادرة في سلسلة ذهبية بدأت من الصناع الفاسيين الأوائل، وتهدد بالانقطاع اليوم بسبب إهمالنا لهذا الكنز الإنساني.
في ورشته التي تحولت إلى متحف حيّ، يستقبل الزوار بابتسامة دافئة، لكن عينيه لا تخفيان شيئًا من القلق: إلى من سيسلّم هذا السرّ؟ من سيواصل هذا الإرث؟ وهل هناك من لا يزال يقدّر الصنعة كما يجب؟

ولأن الحالم لا يستسلم، ما زال مستبشر يحتفظ بحلم كبير: أن يصنع “كأس العالم” من النحاس المغربي، بنقوش فاسية وروح وطنية. هو لا يسعى للشهرة، بل يريد أن يقول للعالم: نحن هنا، بصناعتنا، بهويتنا، بفنّنا.
هذا الرجل، في نظري، ليس فقط “فنانًا تقليديًا”، بل هو قطعة من الوطن، تجسيد ملموس لذاكرة مغربية تمشي على قدمين. وفي لحظة التأمل هذه، أدعو كل مسؤول وكل مثقف إلى إعادة النظر: كم من “مستبشر” نتركه يُهمَل في الزوايا، بينما هو يحمل في يده مفاتيح جزء من هويتنا الضائعة؟
إرسال تعليق