المغرب 360 : محمد غفغوف
في خضم المشهد البرلماني المتقلب، وما يرافقه من تحالفات هشة واصطفافات لا تصمد أمام أول امتحان حقيقي، يطفو إلى السطح مجددًا سؤال الثقة بين مكونات المعارضة، بعد إعلان الفريق الاشتراكي انسحابه من مبادرة تقديم ملتمس الرقابة، وهو انسحاب وصفه عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، بـ”نقض العهود” و”غياب المسؤولية السياسية”.
لسنا أمام مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل أمام تصدع صريح في بنية التنسيق المعارض، يُسائل جوهر العمل السياسي المشترك، ويطرح علامات استفهام حول مصداقية الالتزامات داخل بيت المعارضة ذاته. فحين تتفق الأطراف على آلية دستورية بحجم ملتمس الرقابة، ثم ينسحب أحدها دون تشاور أو توضيح، فإننا لا نكون إزاء موقف سياسي، بل أمام سلوك سياسي مرتجل يضعف ثقة المواطن في جدية الفاعلين، ويمنح الحكومة، بشكل غير مباشر، فرصة للنجاة من المحاسبة.
تصريحات بووانو تكشف عن حجم الإحباط الذي يسود الأوساط المعارضة، لكنها أيضًا تعري بعض مظاهر الارتباك السياسي: هل كان الملتمس مجرد مناورة إعلامية؟ أم ورقة ضغط استخدمت في لحظة وانتهت صلاحيتها؟ وهل الاتحاد الاشتراكي، الذي راكم تجربة طويلة في العمل المؤسساتي، فقد بوصلته داخل المعارضة، أم أنه يشتغل بمنطق “الاستقلالية التكتيكية” التي تبيح له التراجع في اللحظة التي يراها مناسبة، دون اعتبار لباقي الشركاء؟
الأخطر من كل هذا، أن الرأي العام بات يلاحظ أن ملتمسات الرقابة، وهي من أقوى آليات المعارضة الدستورية، تُطرح كلما اشتدت الأزمة بين مكونات المشهد السياسي، ثم تتبخر بمجرد حدوث تقارب بين المصالح أو الحسابات الظرفية. وهنا، يفقد العمل البرلماني أحد معانيه النبيلة: ربط المسؤولية بالمحاسبة.
الانسحاب المفاجئ للفريق الاشتراكي، سواء أملته ضغوط أو رهانات داخلية أو حتى صفقات غير معلنة، يفتح بابًا لنقاش أوسع حول ضرورة بناء معارضة مسؤولة، لا تكتفي بممارسة النقد، بل تقدم بدائل وتلتزم بخياراتها إلى النهاية. فالديمقراطية لا تُدار بالتردد، بل بالوضوح والاستمرار في المواقف.

لقد آن الأوان لأن تراجع المعارضة قواعد اشتغالها، وتنتقل من التنسيق المناسباتي إلى التكتل الاستراتيجي، وإلا فإن المواطن سيظل يعتبر ما يجري تحت القبة مجرد مسرحية بلا جمهور.
وفي السياسة، ليس العيب أن تختلف، ولكن العيب أن تتفق ثم تنسحب دون تفسير، فالعهود السياسية، وإن لم توثقها محاضر رسمية، تبقى ميثاقًا أخلاقيًا، وأي خرق لها هو طعن مباشر في الثقة، والثقة هي العملة الوحيدة التي تضمن بقاء السياسة في خدمة الوطن، لا في خدمة الحسابات.
إرسال تعليق